ابن حمدون
70
التذكرة الحمدونية
ويفطن أبو زكَّار لذلك فيجنّ ويموت غيظا ، ويشتم أبا صدقة كل شتم حتى ضجر وهو لا يجيبه ولا يدع العبث به ، وأنا أضحك من ذلك إلى أن توسطنا الشرب وسئمنا من عبثه به ، فقلت له : دع هذا عنك ، وغنّ غناءك ، فغنّى رملا ذكر أنّه من صنعته ، فطربت له واللَّه يا أمير المؤمنين طربا ما أذكر أني طربت مثله منذ حين وزمان ، وهو : [ من الخفيف ] فتنتني بفاحم اللون جعد وبثغر كأنّه نظم درّ وبوجه كأنه طلعة البد ر وعين في طرفها نفث سحر فقلت له : أحسنت واللَّه يا أبا صدقة ! [ فلم أسكت ] من هذه الكلمة حتى قال لي : يا سيّدي ، إني قد بنيت دارا أنفقت عليها خزينتي ، وما أعددت لها فرشا ، فافرشها لي نجّد اللَّه لك في الجنة ألف قصر . فتغافلت عنه ، وعاود الغناء ، فتعمّدت أن قلت : أحسنت ليعاود مسألتي ، وأتغافل عنه ؛ فسألني وتغافلت ، فقال : يا سيّدي ، هذا التغافل متى حدث لك ؟ سألتك باللَّه وبحقّ أبيك عليك إلا أجبتني عن كلامي ولو بشتم . فأقبلت عليه وقلت : أنت واللَّه بغيض ، اسكت يا بغيض واكفف عن هذه المسألة الملحفة . فوثب من بين يديّ ، فقلت خرج لحاجة ، فإذا هو قد نزع ثيابه وتجرّد منها خوفا من أن تبتلّ ، ووقف تحت السماء ولا يواريه منها شيء والمطر يأخذه ، ورفع رأسه وقال : يا ربّ ، أنت تعلم أني مله ولست نائحا ، وعبدك الذي قد رفعته وأحوجتني إلى خدمته يقول لي : أحسنت ، ولا يقول لي : أسأت ، وأنا منذ جلست أقول له بنيت ولا أقول هدمت ، فيحلف بك جرأة عليك أني بغيض ، فاحكم بيني وبينه يا سيّدي ، فأنت خير الحاكمين . فأمرت به فنحّي بعد أن غلبني الضحك ، واجتهدت أن يغنّي فامتنع ، حتى حلفت له بحياتك أني أفرش له داره وخدعته فلم أسمّ له ما أفرشها فقال له الرشيد : طيّب واللَّه ! الآن ثمّ لنا به [ اللهو ] وهو ذا ، ادعوه ، فإذا رآك فسوف يتنجّزك الفرش لأنّك حلفت له بحياتي ، فهو يقتضيك ذاك